المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مذكـــــــــرات من الأســــر/ Bassam


bassam hannani
11-02-2010, 03:03 PM
مذكــرات من الأســـــر:
اليوم الأول من الأسر:
بقلم: Bassam

كنت ادّون قبل ان اكون مقيداً وعيناي معصوبتان الآن لكن ذلك لن يعيق مخيلتي من ملاحقة الأحداث وما ستؤول اليه الأمور بغيابي وبفقدان أخباري، كيف سيكون وقع الخبر على عائلتي؟ كيف سيتخيلون ذلك وبماذا سيفكرون؟ وما المصير الذي سيقررونه؟ - شاؤوا أم أبوا- هذا واقع الحال.

زوجتي لا زالت تحتفظ بقائمة طويلة من اسماء الصبية والبنات لتستشيرني في ايها نختار لمولودنا البْكر، هي الآن تجلس قرب النافذة تغزل جواريب ناعمة بالوان زاهية تتحدث الى القمر وتخبره ويخبرها عني، لكن في اللحظة التي تشعر بما أنا عليه ستغرز الأبرة في اصابعها مرات عدة قبل أن تنهرها والدتي بالكف عن الغزل وتامرها بالراحة من أجل جنينها.

رفاقي الذين كانوا معي افتقدتهم في لجة النهر الهائج ومن هم حولي لا أكاد استبينهم من الظلمة ومدى اتساخنا لابل هلعنا الذي غيرّ سيمائنا، حاولت الاستفسار وناديت على بعضهم جاءني الأمر بالكف عن الكلام بلكنة غريبة، أعدت الكرّة مرة ثانية شعرت بحذاء قاسي يضغط على فخذي، نزعتي اللجوجة تأبى السكوت، نزقة،تتحرى ولا تنتظر الفجر حتى يبزغ، فما دام مصيرنا مجهول فعلى الأقل ليكون لدي من المقربين من أعرفهم أخفف عنهم ويفعلون الشيء ذاته معي، أعدت هذا الكلام مرات حتى أتذكره لحين تيسّر ما أدون عليه ملاحظاتي هذه.

مجنون شهـد
11-02-2010, 04:39 PM
باســم
شكرا على روعــه ماطرحتـهٌ
بدمت بودٍ

ملهم
11-02-2010, 05:20 PM
سلمت يمناك أخي bassam hannani
على هل المذكرات الجميلة
وتقبل مروري المتواضع

أسير الحبايب
11-02-2010, 08:08 PM
جميل هو احساسك في الكلمات , ووصفك يشعرنا بالمكان

ويأخذنا برحلة اسر تستغرق قليلا من الوقت

اخي بسام نستمتع معك بهذا السرد الادبي الجميل

تقبل مروري واعجابي وباقات من التحيات


...

bassam hannani
11-04-2010, 09:03 PM
اليوم الثاني من الأسر:

انه الثامن والعشرون من آب لازلت احتفظ بشهيتي بتذكر التواريخ القريبة الى قلبي، ليس بالمصادفة أن يكون اليوم عيد ميلاد زوجتي، وعلى عادتي التي ما فارقتني مذ وعيت الدنيا أن اتذكر ماهو اليوم وما هي الأشياء التي تنتظرني قبل أن أغادر فراشي أما هذه المرة فليس فراشي أكثر من بقعة من الطين ترسم اكتافي، خاصرتي وأفخاذي تماماً كما تصورتها لو كنت نحاتاً وهذه الرغبة لا تفارقني، نظرت اليها ملياً وتأملت الثنيات والطيّات التي تكوّن الجسم البشري، وفكرت بأشياء تداخلت مع بعضها اغمضت عيني أتخيل أول عيد ميلاد لها ونحن سوياً، كان اسمها مكتوباً على قالب الحلوى خطاًَ اردت تصحيحه لكن حرارة الجو حالت اسمها طيات جميلة الرسم أعجبتها وهي ما زالت لا تعلم ان يدي العابثة هي من حولت اسمها الجميل الى تلك الزخارف، انقضت المناسبة دون ان اقول لها ما حدث، على أية حال أعجبتها الزخرفة حتى لو يكن لاسمها من أثر، أنا مدين لها بحبها الجم لي.

وفي نفس اليوم:

اصطحبونا مقيدي الأيدي الى جدولٍ صغير وأمرونا بالاغتسال وغسل ملابسنا موجهين الأسلحة الينا من كل صوب ونحن غير مصدقين الكم الهائل من ألأوساخ التي فارقتنا، وبمدى خفة أجسامنا ونحن لم نذق من البارحة غير كسرة خبز يابسة وبعض المربى، بالطبع لن يكون للنقود الورقية من فائدة بعد الآن ونحن لا نعلم كم يطيل بنا المقام هنا، مع هذا سمحوا لنا الاحتفاظ بها، لكنهم اخذوا اقراص الهوية المعدنية بعد ان سجلوا اسماءنا وبعض المعلومات الأخرى.

nasser35age
11-04-2010, 10:51 PM
دَعوتـُكَ للجَفــن القريـْــحِ المسهـَّــدِ
لــديّ، وللنـــوم القليــل المُشـــــرَّدِ

ومـــا ذاك بُخــلا بالحيــــاةِ وإنــهــــــا
لأولُ مبــــذولٍ لأولِ مُــجـتـــــــــــــــدِ

وما الأسر مما ضقت ذرعا بحملــــه
وما الخطب مما أن أقول له قـَــــــــدِ

فيا مُلبسي النعمى التي جلَّ قدرها
لقد أخـْـلـَقـَتَ تلـك الثيــــابُ فجَــــدِّدِ!

................................................

أخي بسام ذكرتني بالشاعر الفارس أبي فراس وقصائده في الأسر، وبرغم ماتحمله من الأسى والحزن إلا أنها كانت من أجمل مانظمه فارس بني حمدان لابل قد تكون من خلده.

في الحقيقة متسلسلة جميلة برغم الحزن الذي يلفها ، وطريقتك في الكتابة فيها حرفة جميلة .
نحن بشوق لمتابعة باقي المذكرات ، من دون أن نستطيع إخفاء التعاطف مع بطل القصة.

كم جميل وجودك أخي بسام
تقبل تحياتي

bassam hannani
11-05-2010, 01:23 PM
اعزائي وأحبتي
لاتستعجلوا الرد ففي جعبتي الكثير وأنا لم اقل شيئاً بعد

bassam hannani
11-05-2010, 08:44 PM
اليوم الثالث من الأسر:

تغيرت المعاملة عن السابق فالحرس هنا مختلفون عن سابقيهم، هم قساة القلوب علمتهم ظروف السجن غلاظة القلوب وقساوة المشاعر، ربما كانو مسجونين مثلنا فهم يتكلمون لغتنا بسلاسة أكثر وبلكنة مقاربة، ويلبسون نفس الملابس التي أُعطيت لنا مع فارق أنهم يحملون شارات غريبة على أكتافهم ويسمح لهم بالتدخين كل حين، لامجال للصداقات ولا حتى للاستفسار الحوار قصير ويتضمن أسئلة قصيرة والاّ تبرموا منّا وتركونا نحدّث أنفسنا

Manirva
11-05-2010, 08:53 PM
اعزائي وأحبتي
لاتستعجلوا الرد ففي جعبتي الكثير وأنا لم اقل شيئاً بعد

شو رايك تنزلهون بقسم المدونات هيك بيظلوا بتسلسل دون تداخل مشاركات

و بأعتقادي بيعطيهون جمال أكثر

إلي بقصده انه الردود ( مع الشكر الجزيل لأصحابها ) ممكن تقطع سلسله أفكار القارئ

و طبعآ القرار الأول و الأخير إلك

قلمك يفيض بتميز كلنا شوق له

تحياتي و مودتي

bassam hannani
11-07-2010, 07:44 PM
عزيزتي MaMa:

لم أكن أقصد المقاطعة بالردود لكن هناك أشياء أود أن اقولها ثم ادعكم تردون ما تشاؤوا

هاهنا وجدت أصدقاء قريبين ومعجبين رائعين
وهاهنا سأكمل ما بدأت ولكم تحياتي

لكن اعذروني لو لم اكتب الرد الآن

bassam hannani
11-07-2010, 07:47 PM
اليوم الرابع:

اشتدت عرى الصداقة بيننا وتشعبت الأحاديث وبتنا في جو غير الذي نحن فيه، اجتمعنا حول زميل لنا كان يهذي من الحمى تكلم عن أسنان مكسورة وعن فستان زفاف طويل ملطخ بالدم والخل وعن نرجسة ذابلة على شرفة الحبيبة، واشياء أخرى لا أتذكرها لأنه لا رابط بينها، ونحن لا هم لنا الاّ أن نزيل عنه الحمى بكل ما أوتينا من السبل، قارب الفجر أن يبزغ مع الخيط الأول للنور تنهد زميلنا تنهيدة عميقة وتعرّق فغلبه النعاس وخفت حرارته، خاف أن ينظر أحدنا الى الآخر لآن دمعة كبيرة كانت تقف على عين كل واحد فينا خشينا سقوطها كما خشينا ان نمسحها.

سراج الشهد
11-07-2010, 08:08 PM
اخي بسام

با الرغم من الاسى والالم في كتاباتك الا انني شعرت

بانك ذو ذوق رفيع بتسلسل الاحداث ولافكار

تقبل شكري مع فائق الاحترام

bassam hannani
11-08-2010, 09:07 PM
اليوم العشرون:

اليوم هو الأحد كانت والدتي تبكر في الذهاب الى الكنيسة وفي عودتها تراقب الصابون عند حوض الماء فتركض مسرعة وتعلم أني في اجازتي الدورية فتحتضنني وتقبلني وكأنها دهراً لم ترني أو لأنها لا تصدق أني عدت وكانت تخفي خوفها من عدم عودتي يوماً، وهذا ما يحصل اليوم لكني لازلت غير متخيل كيف استحال خوفها ذاك حقيقةً واقعة فأنا لم أعد يا امي!
كيف ستمسحين دمعة زوجتي الحبيبة وأنت بحاجة لمن يمسح دمعتك أيتها الحبيبة؟ أمي...امي ...أني أناديك........ .

bassam hannani
11-09-2010, 02:01 PM
• اليوم المائتان والواحد والأربعون:

مرت ثمانية شهور واليوم مشهود انه عيد الصليب بترتيب التواريخ عندي، كنت انتظر صديقي جرجيس في عيد الصليب حالما ينتهي من سقي كرومه الذي يصادف كل أحد بعد مغيب الشمس، شعلات الصليب بدأت بالايقاد الواحدة تلو الأخرى وتخبو نارها قليلاً فيتزاحم أشجعنا للقفز من فوق اللهب، في عيد الصليب المنصرم لم يكن صديقي جرجيس موجوداً، اذا لم تصادف اجازته الدورية شعرت بالوحدة المريرة، ولا أريد تذكر ذلك اليوم فقد بكيت كما يبكي الأطفال امهاتهم، اليوم ستضع زوجتي مولودها هل سيكون صديقي جرجيس هناك ليوصلهم بسيارته؟ هل ستصادف اجازته الدورية مع الحدث هذا؟ على الأقل ليعوض عني مرارة ذلك اليوم الذي بكيت فيه وحيداً.

bassam hannani
11-10-2010, 11:46 AM
اليوم السابع والثلاثون بعد المائـــة

شكراً عزيزي رغيد
بهذه الكلمات توجه صديقي بالكتابة الى صديقه الذي نصحه بالاقلاع عن التدخين وكان هو من عوده على العادة تلك، مراهقين كانوا يجوبون دور السينما، معجبين بدعايات مارلبورو الرجل الكاوبوي، هل تستطيع ان تشكر شخصاً آذاك؟ وهل تستطيع ان تغتفر له هفوته تلك؟
كان الجو ربيعياً رائعاً لن تستطيع القاء الكتاب من يدك انه "الأجنحة المتكسرة" وما اشبه حالتك تلك بحالة جبران... رغيد اي رغيد ارغمتنا على قراءة جبران كنت تقول عنه انه النبي، ويوم آخر ارغمتنا على سماع ماجدة الرومي في عزّ الحر ولم نستطع التملص والهروب.
مهما كان القلب قوياً لن يستطيع اكمال قراءة الأجنحة المتكسرة اذا ما قارب الغروب، تذكرت اليوم الذي التحقنا فيه بمعسكر الطلائع في برطلة، هذه اول تجربة لي خارج البيت كانوا يعرضون فيلماً عن الاسعافات الأولية لم اكن أتبين من اصدقائي سوى ظهورهم والظهور جميعها متشابهة لأن زي الطلائع كله متشابه، تصورت الذي جلس امامي هو صديقي جوني ضربته على كتفه التفت الي كان انفه طويلاً شعرت بالفزع والحرج انه ليس صديقي وزاد ضيقي أكثر من الأول.
شكراً رغيد مرة ثانية أتمنى لك دوام التواصل والمتعة مع ما اكتب.

bassam hannani
11-13-2010, 11:21 PM
السنة الأولى للأسر:

في مثل هذا اليوم قبل سنة من اليوم فقدنا الأمل بالعودة، ولم نعد نفكر بترتيب حقائبنا ولن تنظر أمي طويلاً قرب حوض الماء عن الصابون معلناً قدومي، وربما نالت منها الشيخوخة وحزنها علي فهي الآن تتكيء على الجدران وتذهب الى الكنيسة بعد أن تعانق يدها كل الجدران وعندما تصل الى باب الكنيسة القديم تعانق الصليب القديم الذي محت نقوشه القبل ولمس الأيادي للتبرك، وهي تصلي للعذراء لعودتي.

bassam hannani
11-14-2010, 10:59 PM
في اليوم الثاني بعد السنة الأولى:

"كلنا في الهوى سوى" نعم كلنا في هذه المصيبة واحد لكننا قررنا نسيان العالم من حولنا كما قالت تلك النملة بأنه لايوجد عالم ابعد من تلة الرمل التي تحوي وكرها هي واخواتها ولا حياة خارج مملكتهم.
نحن مجردين من مناصبنا التي ورثناها والقابنا كذلك، نحن صغار نولد الآن عرايا لا نحمل صفات والقاب سوى أننا ولدنا في عالم ليس له ملامح ونحن بصدد اعطائه هذا البعد واضافة هذا اللون أو ذاك أو نمزج بينها لنرضي بها وترضى بنا، نحن كلنا مسافرون الى المحطة ذاتها وعلى القطار ذاته لا حقائب سفر لدينا ولا متاع ولا أهل يودعوننا ونودعهم، لا نحمل حقائب دبلوماسية ولا محفظات فيها الراتب الشهري الذي سيتبخر بين ايجار البيت ومستلزمات الأطفال، لا أحد أفضل من الثاني فلماذا نتصارع ونتنافس ان كنا بالأصل لا نملك شيئاً؟!
المادة كانت من البداية سبب النزاع بين البشر حتى لو كانت المادة تلك قرابين مقدسة، قررنا مشاركة خبراتنا ودمجها ببعضها وثقافاتنا وادياننا لأن كلماتنا وأحاديثنا طالها الملل.

bassam hannani
11-21-2010, 11:11 AM
اليوم الثالث بعد السنة الأولى:

لازال الوقت مبكراً لعيد الميلاد، تراني اسرفت في الحساب والحساب اليوم لا يعني شيء أكثر من اللاشيء ذاته، عبثية بناء هرم من حبات الرمل، وجعل الأيام والأرقام ذات معنى متحرك نابض، اساس من الفضاء رباعي الأبعاد غريب التصور صعب التخيل، ما الذي جعل الصفر صفراً والواحد واحد؟! وما الذي جعل الصفر والواحد مجتمعين اكبر بأضعاف من كلاهما منفردين؟!
25/12 خمسة واثنان سبعة واثنان وواحد ثلاثة وسبعة وثلاثة وعشرة والعشرة صفر وواحد قررا الاقتران مؤملين بغدٍ أفضل.
مررت على الأزقة في الليل الضباب يفتح جناحه في الظل والظلمة ونحن نهرب من لمساته الرطبة الى اضواء الكنيسة ونار المغارة هناك يضيء وجه يوسف ومريم ويخفي ما هو عليه يسوع الطفل لأن رقابنا لا تطاله وعيوننا لا تلاقي عينيه، "شبّاح لمريا بقوذشيه هلليلويا" اسمح لي أبونا ان اوقد شعلة الميلاد هذا العام فانا يتيم افرحه النار وأنساه همومه، اسمح لي أن اسبق الصبية في العبور أولاً من على الشعلة.
مررت على البيوت عددت افراد العائلة فرداً فرداً أحزنني أني قد نسيت الصغار الذي ما زالوا يحبون أو الذي في مهودهم خاشعين للطفل الذي يكلمهم لأنه يفهم لغة الأطفال.

عـ الليل ـازف
11-21-2010, 10:03 PM
رائع اخي بسام
تابع فنحن معك حرف بحرف

يُثبت

تحية مستمرة
عازف الليل

bassam hannani
11-22-2010, 08:38 PM
اليوم العاثر بعد السنة:


نعم العاثر وليس العاشر قلّما أخطيء في الاملاء، فكم عدد الكلمات التي مرّت علينا؟ تحسبها كثيرة انت مخطي! بل أنت لم تنتبه اليها تلك هي المشكلة، كم عدد النسوة اللاتي مررن بحياتك؟ عشرات؟ مئات؟ ألوف؟ انت تخطيء مرة ثانية هي المرأة نفسها المرأة، والرجل طبعاً الرجل غير!! الرجل يتبدل يتغير، يمر بطور الطفولة والمراهقة فالنضوج أما المرأة هي المرأة صدقني، ولكي ابين لك الأمر اجرح الرجل سيتحول وحشاً، امنحه السلطة سيتحول فرعوناً، امنحه الحب سيتمرد، اطعن المرأة وامنحها السلطة وامنحها الحب ستجدها تحبك فقط.

هذا هو اليوم العاثر الذي شعرنا اننا طردنا من الجنة من دون حواء، هل كان يمكن ان تجد كازانتزاكي من غير حواء وراسبوتين وجبران؟انصحك لا تنظر الى الحياة بعينك العوراء.

bassam hannani
11-25-2010, 10:57 AM
اليوم الثالث والعشرون بعد السنة الثالثة:

زوجتي العزيزة سوف لن اكتب اشياء حزينة فتتعذبين وأنت تقرأينها حين أعود، يكفيك ما أنت فيه من القلق والشكوك، ان حزنك ودموعك لن تعيدني اليك، كما لن تستعجل انعتاقي مما أنا فيه من هموم وخواطر واحلام وكوابيس اختلطت بعضها ببعض، وتشكلت منها غمامة سوداء لا ملامح لها حتى صديقنا الرسام اصبح كثير الاستفسار عن تفاصيل أحلامي ويرسمها لي فاصحح له بعض العلامات رغم أني لااعرف ماذا يقصد بها، اصدقائي الآخرون ينظرون اليها وتمتليء عيونهم دموعاً واشفق عليهم فأقسم الاّ اترجم احلامي لكن ذلك يقف دون ارادتي.

انصرفت الى الكتابة دخلت الى نفس كل واحدٍ فيهم كتبت بلا رتوش عن شخصياتهم وتطلعاتهم وبعض خفاياهم ربما وجدتها في أحلامي هي الأخرى.
"ســـمير" قصير النظر لايفكر بأبعد من أخمص قدمه، ملول عاجز عن المطاولة في الكلام، يتحدث في الوقت الذي يطلب منه أن يسكت.
" رائــــد" بشوش صامت مصغي جيد يحمل أحزان جمّة معه ذكرى والده الذي اعتقل ولم يعرف مصيره لليوم، يؤمن بأن الحياة يصنعها القلّة من الناس والناس عاجزين عن تغيير الحياة لأنهم اتكاليين.
" احسان" متعالٍ بعض الشيء، واثق من معلوماته لايعود الى الوراء ولا يتلفت خلفه.
" زيـــد" نرجسي من الطراز الأول فنان متذوق يعشق التخيل ويتصور أن الحياة قصيرة قصيرة أقصر من ان يقضيها ساكناً، لا يقنع ولا يشبع ولا يرتوي من الفن، قليل الكلام مركّز الحديث متفلسف أغلب الأحيان.
" رواد " عينيه السوداوان توحيان بالحكمة والفطنة نجار ماهر كأنه نحات يخاطب الخشب كصديقٍ قديم لا يمل الحديث عن وألى ادواته.
" صــادق" هو كذلك فعلاً وبساطته تجلب له المشاكل وبنفس الوقت تبعدها عنه، مرحٌ فكه ثرثار عابث، يحمل همومنا جميعاً وينثرها بعيداً عنّا لكن حين يحزن نعجز كلنا عن رسم ابتسامة ولو صغيرة على شفاهه.
" هـــلال" يذكرني وجهه ببلال الحبشي، هاديء محب، رومانسي ورقيق، مقنع في الكلام مقتصد، يحمل أفكار جميلة لا ينسب الأشياء الى نفسه اذا علم انها لا تخصه، طروب يغني بطبقة واطئة صوته ليس جميلاً لكن طبقته الصوتية واختياره الأغاني يجعلنا مشدوهين ومجذوبين اليه، في كل مرة طلبنا اليه غناء "فات الميعاد" انسحب كل منا ليمسح دمعته بعيداً عن الآخرين ولم نكمل الشطر الأول حتى.

bassam hannani
11-28-2010, 10:28 AM
اليوم الثلاثون بعد السنة الثالثة:

أحب الأشياء الى قلبي هي ذاتها التي تتحول أزعج الأشياء حين تتأخر عن موعد انجازها، حلاقة الذقن هذه الهواية أو المتعة التي لم أجد لها مثيلاً قبل الأسر وحتى هنا في الأسر رغم التقريعات والتعليقات التي تصدر عن أصدقائي وكأني في معسكر التدريب، فلا أفوّت يوماً بلا حلاقة ذقني لأني اشعر أني متسخ لو لم أفعل.
هي متعتي التي أترقبها وكأني على موعد غرام يجمعني بالحبيبة، لكن حين تتأخر عن موعدها أتضجر وأابى الاّ أن افعلها مرغماً وكأني قد قطعت عهداً على نفسي أن انجز مهمتي منتشياً وكأني أفي للحبيبة وأوافيها الموعد حتى لو جئت متأخراً بسبب موجز أو بغير سبب رغم أني لا أخلف وعداً وأحترم الوقت حتى لم يكن للوقت هنا معنى فالأشياء متشابهة والأعمال كذلك والوجوه.
في المرآة وانا احلق أجد عالماً ثانياً حدثني به ذات مرة صديق لي في ليلةٍ صيفية اثناء الواجب على ميناء المعقل في البصرة، قال انه يؤمن بالعالم الموازي الذي يناظر هذا العالم ويناظر الأشياء والأشخاص تماماً مطابقة لما هي في الواقع.
تصورت الشخص الذي يناظرني في العالم الموازي ماذا تراه يفعل الآن هل هو حبيس الجدران مثلي ام حراً طليقاً يستنشق هواء الحرية ويحلم ويحب ويلاقي حبيبته.

bassam hannani
11-30-2010, 11:56 AM
اليوم التاسع والثلاثون بعد السنة الثالثة:

آثارت مذكراتي جدلاً وشرخاً في علاقتنا نحن نزلاء القفص الواحد وخاصة فيما تعلّق بتحليل شخصيات الأصدقاء الذين ورد ذكرهم آنفاً.

البعض اعجبهم التحليل والبعض الآخر شعر بالحنق بعدما اكتشف - لا أقول حقيقة ما هو عليه- لكن كيف ينظر اليه الآخرين، ليس مهماً أن يرى الفرد نفسه بعين ذاته بل الى صورته في عيون الآخرين هذه وجهة نظري.

بداتُ سلسلة يومياتي على نمط المذكرات لكنها بالحقيقة نحت منحاً آخر الا وهو تذكر ذكريات وخواطر مرّت بالبال يوماً وعشنا منها البعض وتمنينا أخرى.

تذكرتك عزيزي "باسم دخوكا" وتصورت انك يوماً ستقرأ ما كتبت وسيكون لك وجهة نظر مختلفة عن تلك التي كنا ندافع ونستميت في الدفاع عنها بعنفوان الشباب والانطلاق والتجدد، رافضين الخمول والسكون والسكوت.
قرانا معاً تأملات في الانسان لــ"رجاء النقّاش" واختلفنا حول شخصية "نهرو" الذي كان معارضاً قوياً ومتحمساً في الخارج لكنه لم يوفِ ولم يفعل ماقاله بعكس الذين ظننتهم خاملين كانوأ أكثر حماسة منه اثناء العودة للوطن.
عزيزي باسم قد تختلف وجهات نظرنا عن الوطن لكن يبقى لكل منّا طريقتة في التعبير عن الوطن وعن ارتقائه وسمو شأنه

bassam hannani
12-04-2010, 08:19 PM
وفي نفس اليوم:

انقطعت الكهرباء لبضع دقائق تبادلت وزملائي في القفص قذف الصمون اليابس بعضنا ببعض ثم تحول الجميع برشق الحراس ببقايا الفواكه اليابسة والصمون وحتى بعض الأحذية وحذا حذونا بقية الأسرى في الزنزانات الأخرىوما هي الاّ دقائق وعاد الكهرباء مرة أخرى.
جمعونا في جملون كبير وفارغ ووجهت الينا أضواء السيارات التي سدّت مدخل الجملون وحمل الحراس العصي وما وصلت اليه أيديهم وهموا بالضرب المبرح حتى تكوّم بعضنا فوق بعض في الزاوية البعيدة ووصل من في الأعلى قريباً من السقف بأمتار قليلة.
اصبحنا كتلة من اللحم والدم والقيء .
يؤسفني حبيبتي أن كتبت لك هذه السطور وأنت في حال لا تتحمل ثقل نفسها وهموم أفكارها.

bassam hannani
12-07-2010, 02:05 PM
اليـــوم الأربعـــون بعد السنة الثالثة:

بعد يوم أمس الصعب والدامي صودرتْ كل أغراضنا الشخصية من عُددْ بسيطة وأشغالنا اليدوية وصودرت معها مذكراتي، قلّت شهيتي للطعام بسبب كسر في أحد أسناني الأمامية بعدما انتهت تلك الأحداث اخرجتُ زراً مكسوراً من فمي ولا ادري كيف وصل هناك! ربما اثناء تسلقي على أكتاف غيري قد تشبثّتّ بفمي كذلك هروباً من الأسواط والعصي.
وزادت شهيتي للكتابة فقد ظللت وحيداً بعد الاستجواب في سجنٍ انفرادي طالت المدة أم قصرت لكنها في كل الأحوال نسبياً طويلة جداً ومؤلمة تزيد من ألمها تخيلاتي وهمومي.
تم توزيعنا بعدها على أقفاص وزنزانات جديدة حسب قوائم أعدتْ بعد الاستجواب، وحسب درجة الخطورة والتحريض وامور أخرى، استطعت أن أقرأ بعض الأسماء المكتوبة على الجدران التي بدت مألوفة من بينها قريب لي مقيم في بغداد، قد يكون هو لأنه ولاشك فقد دوّن اسمه بأحرف كلدانية أنيقة، بدا نزقي يؤرقني مرة اخرى ويُنفر الآخرين عني لكثرة تساؤلاتي.
استعدت مذكراتي بعد جهدٍ جهيد ومضنٍ، مقابل حصة السكائر خاصتي ولمدة اسبوعين انقطعت عن التدخين وتريثت في احراق اعصابي رحمةً بصحتي وما تبقى من عمري لطفلي الذي لم يحظَ بلقائي للساعة.

عـ الليل ـازف
12-07-2010, 08:32 PM
اخي بسام
على الرغم من اني لم احبذ ان اقاطع
تسلسل افكارك وروعة حروفك
الا انني لم استطع ان امر من هنا
دون ان اقول لك شكرا باحرف كلدانيةو اشورية وعربية

ننتظر المزيد بشوق

تحية مستمرة
عازف الليل

bassam hannani
12-12-2010, 10:47 AM
اليوم الثالث والخمسون بعد السنة الثالثة:

موعد زيارة السفير البابوي للأسرى مع لجنة حقوق الانسان وغاب الصليب الأحمر الذي لم يزرنا قبلاً بسبب الشغب الذي حصل كما ذكرت في أيام سالفة.
جُمع جميع المسيحيين من كل الزنزانات ووزعت علينا ملابس جديدة وطلب منا الاغتسال لنكون بأبهى صورة، مُنع الصحفيين من وكالات الأنباء بالتقاط الصور واكتفوا بنقل الحوارات واللقاءات التي جرت مع البعض منّا ممن يجيدون اللغة الانكليزية أو الايطالية، وطلبوا منّا سرّاً كتابة اسمائنا لايصالها الى أهالينا في الوطن، وقد قمت مسبقاً بهذا الشأن وكتبت اسم جميع المسيحيين بعد أن ادعيت مغصاً في بطني وكتبت الأسماء على عجل في دورة المياه، وعندما أقيم لنا قداس بهذه المناسبة انتهزت الفرصة ووضعت قصاصة الأسماء في ردن الكاهن اثناء قرائتي لرسالة بولص الرسول، الله كم كان جميلاً وبديعاً القداس الألهي الذي أقيم ونحن لم نحضره سنين خلت!
وفي الوقت الذي يقول فيه الكاهن:" بسّيم مارن وآلاهن ريخا دطميوثن وسرّيوثن بريخا هنيّه بسّيموثا دحبّوخ" و "لامار لامار تاعيلن لنسيونا الاّ بروق وبصّن من بيشا وحيلواثيه" ما أجملها عبارات تقشعر لها الأبدان وتشعر بالانتشاء، ومع ولعي الشديد بالطقس الكلداني أطلقت على اسم طفلتي والتي افترضت أن تكون طفلة اسم "باريسّــيّا" من المقطع الطقسي "ووباريسّــيّا اذ يبثلن" أي بمعنى الدالّة التي اعطيتنا أياها. وباريســـيّا هي الدالّة.
اليوم أكملتْ باريسّـــيا عامها الثاني والنصف وأنا لم أكحّل عيني برؤيتها وما نابني منها غير أنهم يدعونني "أبو باريسّيا" لتعوّضني بعض حرماني.

bassam hannani
12-15-2010, 12:00 PM
اليوم الرابع والخمسون بعد السنة الثالثة:

لم يكن لفرحتنا حدود أو نهاية بعد أن كنّا محصورين ازاء زنزاناتنا الكئيبة شعرنا أننا نطير من الفرحة التي لا توصف بمشاهدة أسرى آخرين كنا نعرفهم أو تعرفنا عليهم لكن فرحتي تعاظمت عن الجميع وفاقتهم بملاقاة ابن عمي "رمزي" الذي انقطعت علاقة عائلتينا ببعض منذ عشر سنوات بعد أن تزوجت أخته " سهيلة" من "خالد" ابن "حكمت" الذي كان أجيراً في بيت جدّي، سبب تافه لقطع الصلات هكذا وأنا ورمزي أكثر من أخوة عشنا طفولة شقية نوعاً ما لكن لم نتخاصم يوماً سوى في لعبة كرة القدم اذ كان "رمزي" يكره حراسة المرمى لذا كان يترك الكرة تدخل مرماه ليأتي دور غيره، بهذه البساطة والعناد المقيت الذي ورثناه عن العائلة بأن تصبح الخصومات العائلية متوارثة ويجب على الجميع القطيعة لأن الأهل في قطيعة، أي مرحلة من التسلط الذكوري والعشائري والعقل الاقطاعي الذي يتوارثه الأجيال شاؤوا أم أبوا.

bassam hannani
12-19-2010, 02:52 PM
• اليوم السابع والخمسون بعد السنة الثالثة:

حل علينا ضيف ثقيل بالاضافة الى ضيفينا السابقين الذين لم تتح لي الفرصة للتحدث عنهما وهما الكآبة والملل وضيفنا الثقيل هذه المرة هو "الجرب".

أصبحنا مقرفين ولا نتحمل رؤية بعضنا البعض، حتى المرآة التي كانت موضوعة على الجدار أنزلناها عن مكانها خشية أن تغلبنا أناتنا بالتطلع اليها ورؤية وجوهنا وبشاعة ما آلت اليه بشرتنا، ومع أن المرآة ليست بمكانها ولا يتجرأ أحد على اعادتها فقد تعودت حلق لحيتي بدون المرآة وهكذا أسقِطَتْ نظريتي السابقة لابل سلوتي بالعالم الموازي الذي كان ينسيني بعض همومي، توجهت الى الأحلام وتعمقت في تفاصيلها، حلمي الذي يتكرر أن الباص قد فاتني بالذهاب الى الجامعة وهنالك أعمال تبليط على الطريق تحول دون قدوم المزيد من السيارات.

حلم آخر يتكرر ولا أرى لليوم له تفسيراً هناك منطقتين الاولى اعرفها تمام المعرفة والثانية اشتاق لمعرفتها ومع هذا اقف على الجسر الخشبي بينهما محتاراً في اختيار اياً من المكانين.

الشيء المسلّي الوحيد فيها هو أنني أعلم أني أحلم دون أن أستفيق واستطيع غالباً اتمام الحلم مرة ثانية.

تمنيت لو أني أرى وجه "باريسّـــيا" ولو لمرة حتى لوكان الشبه قريباً مما تخيلته عنها، لكن للأسف كل الأشياء وحتى الأحلام تطاوعني الاّ في رؤية وجه من أحب تقف عائقاً في دربي.
رحماك يا ربي.

عـ الليل ـازف
12-19-2010, 06:12 PM
اشعر حين اقرأ كلماتك
وكأنني ارتوي بعسل

جميل جدا

تحية مستمرة
عازف الليل

bassam hannani
12-21-2010, 11:30 AM
• اليوم الواحد والســـتون بعد الســنة الثالثة:

لم تسْر الأمور كما ابتغينا فقد زادت الضغوطات علينا بعد أن شنّت طائرات جيشنا هجمات بعمق أراضي العدو وصلت مشارف معتقلاتنا، أصبحنا ندفع ثمنها صباح مساء بشتى الحجج والذرائع لكن لم يخفَ على أحد انه انتقام لما دمرته طائراتنا وقد بلغت الشجاعة ببعض زملائنا بأن هللوا وصفقوا لتلك الهجمات ودفع البعض حياتهم ثمنها لشجاعتهم تلك.
تذكرتك عزيزي "مخلص" أيام كنّا ننتهي من تزيين الصليب في جمعة الآلام بأعشاب متنوعة وزاهية كنت تضيف اليها أشواك خضراء وبنفسجية رغم اعتراض البعض، وكنت تقول لي همساً هذا هو الارتقاء الى الله، وهذه هي مأساتنا نحن اسيري الحياة انظر الى الأشواك تحت قدمي الفادي ثم انظر الى قدميه ترتفعان في الهواء ولا سند لهما، ثم انظر الى اليدين المسمرتين اللتان تحملان هذا الثقل.. ثقل جسمه وثقل خطايانا، ثم انظر الى وجه يسوع انه يبتسم ويستهزيء بعذاب البشر وآلامهم.
كيف لا أتذكرك وأنت اهديت لي رواية "الساعة الخامسة والعشرون" وقلت لي يومها هاك اقرأ تاريخ البشر وانظر الى الصورة الواضحة للقيد في أيادي البشر واضحة أكثر من الشرايين التي تنقل الدم والحياة لأناس فقدوا نعمة الحرية وارغموا على الابتعاد عن أوطانهم ولن تجدي الساعة الخامسة والعشرون بعد نفعاً فهي ساعة ما بعد الزمن.

bassam hannani
12-29-2010, 12:59 PM
• اليوم السادس والستون بعد السنة الثالثة:

توجه بنا قطار الحمل نحو الشرق، الشرق في جميع الحضارات يعني الولادة الاّ بالنسبة الينا نحن مسافري قطار حمل الكبريت.

الفراعنة نقلوا الحجارة من الغرب الى الشرق كدلالة للخلود وحياة ما بعد الموت، وكذلك حضارتي الأزتيك والمايا وغيرها من الحضارات التي آمنت بالحياة مابعد الموت أو البعث واسطورة اوزيس وأوزيريس.

استحضرت جميع الملاحم فوجدتها مأساوية بقدر ابتعادنا عن الوطن ونحن نتجه للشرق مودعين ماتبقى من أحلام عودتنا الى الديار والى الأبد.

لم يتحمل بعضنا رائحة الكبريت وصرير العجلات على السكة فتقيأ من شدة الرائحة وقلة الطعام والشمس المحرقة، كان "صلاح" في فريق الطبابة قبل أن يتأسر على دراية بأن التسمم عن طريق الكبريت يحتاج الى جرعة من الحليب، ومن أين ناتي بالحليب في هذا الوقت الحرج أليس لبن العصفور أوفر في الحالة هذه من الحليب؟!

تراني أسرفت في التشاؤم، في لحظة الولادة في العالم الموازي وليكن العالم هذا العالم السلبي "Negative" ولابد من الألم دون عسر الولادة ولكن كيف سأقنع من معي بأن ولادتنا القيصرية ستتم على أيدٍ لم تتعامل مع حالةٍ كهذه من قبل؟! ولا حتى "صلاح" نفسه مهما كانت مقاومته ازاء الجراح والنزيف والعذاب دون الموت.

bassam hannani
01-12-2011, 10:04 AM
اليوم السابع والستون بعد السنة الثالثة:

هدأ صفير القطار اكثر من مرة وفي كل مرة يعاود الصفير يبدأ دوارنا يأساً في الكف عن متابعة المسير والابتعاد عن الوطن وكأنه قد حكم علينا بأن نموت بعدد المرات التي يستانف القطار رحلته نحو الموت البطيء أبطأ من القطار ذاته.

في المحطة الأخيرة ولايهمني كم عددها فلقد فقدنا الشعور بالألم منذ أول مرة نفض عنّا كما كنا ننفض اشجار العنب فصل الخريف، ولا يبقى منها غير العنيدة التي وان بقت تثير غيضنا وغضبنا، لابل هو اصعب من اقتلاع محصول الباذنجان في نهاية الموسم بعدما يزورها الصقيع لكنها تبقى تعاند وتصر على الثبات.

في تلك المحطة تعرفنا على "بســـمان أبو العركك" هكذا يحلو له أن نناديه لم يسبق لنا أن التقينا به اثناء زيارة السفير البابوي حيث كان في السجن الانفرادي وهو مشهور بصنع "العرق" من الأرز الي كان يقنع الحراس بجلبه خلسة ليصنع منه لوحات فنية رائعة ويضم الباقي مع حبات العنب ليصنع "عرق" يضاهي الذي في السوق جودة، أما بالنسبة الى هنا وفي مثل هذه الظروف فهو اجود من الجودة نفسها.

كان فناناً في الكلام وفي الفعل يحول أي شيء يريد الى أي شيء بمجرد لمسات خفيفة تدل على ذوقه الرفيع، صنع من بقايا سطل بلاستيكي قطع "دومينــــو" يصعب تمييزها عن بعض، كان خفيف الظل وهو الوحيد من بيننا القادر على الوقوف على قدميه بعد عناء السفر والوحيد القادر على الضحك نحن الذين لا نستطيع الابتسام حتى، استطاع بسخريته وتقليده للأصوات ان يحملنا الى جو باعة الماء والسكائر والجرزات في كراج العلاوي، وجعلنا نتقرب الى جو الفرح الذي كان يغمرنا حينها ونحن عائدون الى الديار ولا عودة يارفاقي ولا ديار... .

bassam hannani
01-23-2011, 11:11 AM
اليوم الراحل والسبعون بعد السنة الثالثة:

كنت على علم مسبق بما ستؤول اليه الأحداث، وكنت سبّاقاً في اعلان نتائجي التي كنت قد أعدّت لها العدة سابقاً كمن يُقبل على عملية جراحية فإن أوجاع التفكير لهيّ أشّد وقعاً من العملية ذاتها، كنت أعلم أن الحنين لن يثمر عن سعادةٍ حقيقية أو واقع نتلذذ به، إنمّا ما نحن عليه هو اجترار للماضي الى أن تخلو المادة التي اجتررناها مراراً وتكراراً من عناصرها واصبحت عديمة الطعم.
اخواني في الأسر قرأت سابقاً " أن الطيور لا تحوك لها أعشاشاً في الأسر لكي لا تورث أبنائها العبودية" لقد أوجد الانسان العبودية لأخيه الانسان، عن أيةِ أخوّة أتحدث حتى تصدقوني؟؟

"مسعود" فُقِــدَ في معركة القوات الخاصة ظن الكل أنه لقي حتفه لأن المعركة جرت بالسلاح الأبيض، في آخر اجازةٍ دورية اقتسم ثمرة رمان بين ابنتيه تناثرت حبّات الرمان، توجست زوجته خيفةً لكنه طمأنها أن هذه مجرد خرافات، مضت سنتان و"مسعود" لم يعدْ... .

لم يتحمل أخاه "مشتاق" نظرات الناس الى زوجة أخيه الأرملة وهي كانت في ريعان الشباب فاتنة الملامح.. جذّابة... مانعت في البداية لكنها أصبحت أمام الأمر الواقع أن "مســـعود" قد غادر بلا رجعة.
وجدت في "مشتاق" شيئاً من رائحة "مســعود" وأثمر زواجهما عن "مسعود" صغير يعيد اليها بعض مافات، كانت الصدمة التقاء الأخوين على خلاف كل اللقاءات نفس يائسة ونفس راحلة في أرض المنفى... لم يتحمل "مشتاق" مرارة اللقاء هذا وشعر بمدى خيانته لأخيه، وعن قتله الأمل في قلب زوجته بلاعودة زوجها "مسعود".

عُثِرَ على "مشتاق" في اليوم التالي نازفاً حتى الموت وقد قطع شريانه بملعقة طعام براها لهذا الشأن.

bassam hannani
02-09-2011, 07:11 PM
اليوم الذي كسابقه وسيكون كلاحقه:

لم أتوقع أن تأتيني لطمة من الخلف، كان وجهه متغير لكنه لن يغيب عن بالي ، استطيع تذكر الأشخاص الذين صادفتهم مرة ، فكيف الحال مع صديق قديم كانت لي معه حكاية، كانت قابليتي على الحفظ رهيبة فقد كنت أحفظ أسماء الجنود في السرية السادسة من أول اسم حتى الأسم الأخير الذي كان اسمي في تسلسل قائمة آمر السرية ولازال صوته الجهوري يرن في اذني، لم تكن تلك المرة الاولى فقد كنت أحفظ أسماء الشعب الأربعة في كليتي بدءاً من "آلاء الفائز" احدى ثلاث نساء استثنائيات في حياتي امراة بلا رتوش كما كان يحلو لي أن اسميها.
سأحدثكم عن النساء الاستثنائيات الثلاث لاحقاً.
وصاحب اللطمة أول تسلسل قائمة السرية السادسة "فهد عبد ويّس" لم أتوقع أن أراه في الفريق الخصم لكرة الطائرة، أسير آخر في قفص الأسر العقيم الاّ من الاصدقاء.

bassam hannani
04-09-2011, 10:54 AM
أعتذر من جميع أعضاء وادارة الموقع المحترمين

كوني انقطعت عن الموقع بسبب ظروف عملي التي ابعدتني عن احبابي هنا في الوقت الذي تم اختيار موضوعي هذا كموضوع متميز.

أشكر قرائتكم لما اكتبه من خواطر وكلمات مجنونة.

وأني ليزيدني فخراً فوق فخر كوني هنا بين من يجيد القراءة ويتذوقها.

لكم محبتي

بســـام